أفضلية علم العقيدة على سائر العلوم

إنَّ علم العقيدة يُعَدُّ أصلًا عظيمًا لبقية العلوم: الدينية والدنيوية؛ وذلك أنَّ أجَلَّ وأعظمَ مباحثه متعلَّقها: الرب -تبارك وتعالى-، وسائر ما في الوجود تابع له -سبحانه-؛ لانحصار الجميع في أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، يقول ابن القيم -رحمه الله-:
«إنَّ العلم بأسماء الله الحسنى أصلٌ للعلم بكل معلوم؛ فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقًا له تعالى، أو أمرًا؛ إما علم بما كَوَّنَهُ، أو علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه … وإحصاء الأسماء الحسنى، أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأنَّ المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها».

ولزيادة الإيضاح أقول:
إنَّ علم الإنسان إما أن يتعلَّق بالخالق وأمره، أو يتعلَّق بالمخلوق، وتطلُّب العلم بالثاني مقتضٍ لتطلُّب العلم بالأول ومتأثِّرٌ به.

أما جهة الاقتضاء؛ فهي أنَّ النظر إلى الحادث المخلوق يضطرُّ صاحبَ العقل السليم إلى الانتقال من الأثر إلى المؤثِّر؛ وكلما كان الأثر مُبْهِرًا تاقت نفس الناظر إلى معرفة مُوجِده وصانعه، وهذا في حال كون الناظر سليمَ الفطرةِ، أما من أصابت قلبَهُ لوثةٌ شوَّهت فطرته وحرفته عن مقتضاها، فإنَّ أُولى خطواته في التعرف على موجودات العالم العلوي والسفلي موقوفة على معرفة ما إذا كان لها سبب أم لا؟ وهل وُجدت لغاية أم لا؟

فإنْ لم يحسم الجواب، ورضِيَ بظاهر ما يرى دون انتقالٍ إلى ما ورائه فهو إذن معطَّلٌ للعقل عن أهم وظائفه، ألا وهي البحث عن أسباب الظواهر.

وسؤال الوجود من أعظم الأسئلة، وبدونه تفقد الحياة قيمتها؛ فإنه:
«لا يمكن العبور إلى إدراك معنى الحياة أو عبثيتها دون تناول سؤال وجود الله، ولا يمكن لجواب السؤال عن وجود الله أنْ يَفِيَ بالغاية حتى ندرك إنْ كان لله حكمة في خلقنا. ولا معنى لأنْ ندرك هذه الحكمة إلا أن نبحث إن كانت له إلينا رسالةٌ … وكلُّ ذلك مضمَّن في حديثنا عن الدين…».

وأمَّا جهة التأثر فسأبينها لك بالتمثيل بصفة الحكمة؛ حيث إن الإقرار بخالق يتصف بها يستلزمُ اعتقادَ أنَّ كل مخلوقٍ وُجِد لغاية، وهذا يدفع الباحث إلى تطلُّب معرفة تلك الغايات، أمَّا إنْ كان الباحثُ لا يؤمن بحكمة الخالق فإنَّ عدم إيمانه يستلزم حكمَه بجواز عبثية ما يرى. ومن يجعل لهذا الحُكْم حَيِّزًا في نظرته إلى ما حوله فإنه -وبلا شك- سيكون متناقضًا حين يستنفد وقته في تطلُّب الغايات.

حاجة الإنسان إلى علم العقيدة

ما سبق كان من حيث النظر إلى أهم موضوعات علم العقيدة، أما من حيث النظر إلى حاجة الإنسان إلى إدراك مسائل هذا العلم؛ فإنَّ حاجته إلى العلم بتفاصيل ما يتعلَّق بالخالق أعلى وأعظم، وما ذاك إلا لأنَّ الحياة تفقد معناها وقيمتها حال الجهل بموجدها، وغايتِه من إيجادها. وعن هذا يتفرع جهلُه بحاله بعد الموت، أهو العدم المطلق، أم ثَمَّ حياة أخرى؟ وما هي طبيعة تلك الحياة؟ أهي سعادة أبدية، أم شقاء دائم؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ وهل مصيري فيها يتأثر باختياراتي هنا؟

كل هذه الأسئلة وغيرها لا تستقيم حياة الإنسان إلا بتفصيل الإجابة عليها، وإلا أظلمت حياته ظلمةً حالكةً تطغى على بصيص السعادة، وتمام هذه المعرفة المبيد لظلمات الحيرة لا يكون إلا بوحي من الخالق نفسه يشتمل على أصول المطالب وأهمها، ألا وهي:
- تعريف المخاطبين بالخالق وحقوقه.
- وتعريفهم -أيضًا- بمنتهى سيرهم.
- ثم تعريفهم بما له أثر في مصيرهم.

وقد فصَّل القرآن هذا كله تفصيلًا لا تجده في أي كتابٍ يدور في ذات الفلك، وتميز -مع هذا- باشتماله على البرهان القاطع لكل حجةٍ يتشبَّث بها مبطِل زائغ.


فالخلاصة أن العلم بالخالق أجل وأعلى وأعظم من العلم بالمخلوق، وحاجة الإنسان إلى العلم به مقدَّمة على كل حاجة. هذا إن لم يلجم عقله بلجام الشهوة والمشتتات.